عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

190

اللباب في علوم الكتاب

القرآن ، فإن كان الأوّل ، كان المعنى وإن الّذين اختلفوا في تأويله ، وتحريفه ، لفي شقاق بعيد وإن كان الثّاني ، كان المعنى : وإن الذين اختلفوا في كونه حقّا منزّلا من عند اللّه تعالى لفي شقاق بعيد . فصل في المراد باختلافهم والمراد باختلافهم : إن قلنا المراد ب « الكتاب » هو القرآن ، كان اختلافهم فيه : أنّ بعضهم قال : هو كهانة ، وقال آخرون هو سحر ، وآخرون قالوا : هو رجز ، ورابع قال هو أساطير الأوّلين وخامس قال : إنّه كلام مختلق . وإن قلنا : المراد ب « الكتاب » هو التوراة والإنجيل ، فالمراد باختلافهم يحتمل وجوها « 1 » . أحدها : اختلافهم في دلالة التّوراة على نبوّة المسيح « 2 » ، فاليهود قالوا : إنّها دالّة على القدح في عيسى ؛ والنصارى قالوا : إنّها دالّة على نبوّته . وثانيها : اختلافهم في الآيات الدالّة على نبوّة محمّد - عليه السلام - فذكر كلّ واحد منهم له تأويلا فاسدا . وثالثها : قال أبو مسلم : قوله : « اختلفوا » من باب « افتعل » الذي يكون مكان « فعل » ، كما يقال كسب واكتّسب ، وعمل واعتمل ، وكتب واكتتب ، وفعل وافتعل ، ويكون معنى قوله « إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا » أي : توارثوه وصاروا خلفاء فيه ؛ كقوله تبارك وتعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [ الأعراف : 169 ] وقوله إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ يونس : 6 ] أي : كل واحد منهما يأتي خلف الآخر ، [ وقوله وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [ الفرقان : 62 ] ، أي كلّ واحد منهما يخلف الآخر ] « 3 » ، وفي الآية الكريمة تأويلات ثلاث أخر . أحدها : أن يكون المراد ب « الكتاب » جنس ما أنزل اللّه ، والمراد ب « الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ » الذين اختلف قولهم في الكتاب ، فقلبوا بعض كتب اللّه ، وهي التوراة والإنجيل ؛ لأجل عداوتك ، وهم فيما بينهم في شقاق بعيد ، ومنازعة شديدة ، فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتّفاقهم على العداوة « 4 » ؛ فإنه ليس بينهم مؤالفة وموافقة . وثانيها : كأنه تعالى يقول : هؤلاء ، وإن اختلفوا فيما بينهم ، فإنّهم كالمتفقين على عداوتك ، وغاية المشاقّة لك ، فلهذا خصّهم اللّه بذلك الوعيد . وثالثها : أنّ هؤلاء الّذين اتّفقوا على أصل التّحريف ، فإن كلّ واحد منهم يكذّب

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 29 . ( 2 ) في ب : عيس . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : عليها .